الشنقيطي
21
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ [ الأعراف : 163 ] الآية - والمراد بعضهم . ومثال الشرط قوله : وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [ البقرة : 217 ] ، فقد بين في أول المائدة أنهم لم يستطيعوا بقوله : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ [ المائدة : 3 ] ، وقد بينه أيضا بقوله في براءة والفتح والصف : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [ التوبة : 33 ] . ومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يذكر أن شيئا سيقع ثم يبين وقوعه بالفعل كقوله في الأنعام : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا [ الأنعام : 148 ] الآية - وصرح في النحل بأنهم قالوا ذلك بالفعل بقوله : وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ [ النحل : 35 ] الآية . ومن أنواع البيان المذكورة في هذا الكتاب المبارك أن يحيل تعالى على شيء ذكر في آية أخرى ، فإنا نبين الآية المحال عليها كقوله في النساء : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ [ النساء : 140 ] الآية - والآية المحال عليها هي قوله تعالى في الأنعام : وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [ الأنعام : 68 ] ، ومن أمثلته قوله تعالى في النحل : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ [ النحل : 118 ] الآية - والمراد به ما قص عليه في الأنعام في قوله تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ [ الأنعام : 146 ] الآية - . ومن أمثلته قوله تعالى : فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 222 ] فإن محل الإتيان المعبر عنه بلفظة « حيث » المحال على الأمر به هنا أشير إليه في موضعين : أحدهما : قوله هنا : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [ البقرة : 223 ] ؛ لأن قوله : فَأْتُوا أمر منه تعالى بالإتيان ، وقوله : حَرْثَكُمْ يعين محل الإتيان وأنه في محل حرث الأولاد وهو القبل دون الدبر ، فاتضح أن محل الإتيان المأمور به المحال عليه هو محل بذر الأولاد ، ومعلوم أنه القبل ، وسترى إن شاء اللّه تحقيق تحريم الإتيان في الدبر في سورة البقرة . الثاني : قوله تعالى : فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [ البقرة : 187 ] ، فقوله تعالى : بَاشِرُوهُنَّ أي جامعوهن ، والمراد ب ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ الولد على التحقيق ، وهو قول الجمهور ، وعليه فالمعنى جامعوهن وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي ولتكن تلك المجامعة في محل ابتغاء الولد ، ومعلوم أنه القبل دون غيره ، وسترى إيضاحه إن شاء اللّه تعالى في محله . ومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يذكر شيء له أوصاف مذكورة في مواضع أخر ، فإنا نبين أوصافه المذكورة في تلك المواضع كقوله تعالى : وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ( 57 ) [ النساء : 57 ] فإنا نبين صفات ظل أهل الجنة المذكورة في غير هذا الموضع كقوله : أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها [ الرعد : 35 ] وقوله : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ( 30 ) [ الواقعة : 30 ] ونحو ذلك . ومنها أيضا أن يذكر وصف الشيء ، ثم يذكر نقيض ذلك الوصف لضد ذلك